وجوه


لطالما عانيتُ من تذكّر الوجوه. لكل شخص مئة وجه وهذا ما يزيد من ارتباكي وحيرتي. كان لا بد من اختيار وجه واحد للشخص الواحد نظراً إلى محدودية ذاكرتي وكُثر خلق الله من حولي. ولكن أيهم كان عليّ أن أختار: الوجه الضاحك، أم القرفان، أم الحزين أم العتبان؟ بعد تجارب عديدة في غربلة الوجوه الأكثر تداولاً في شوارع المدينة اعتمدتُ معايير القنصليات: الوجه المُحايد الذي لا يضحك للرغيف السخن، والأهم من ذلك أنه كاشف للاذنين، فالأذن من أهم أعضاء الوجه العربي التي يجب الاحتراز منها وبالتالي تذكرها بعناية.

إنّ سببي الأساسي من تذكر الوجوه هو الحفاظ على روابطي الاجتماعية والحد من أي لغطٍ قد أرتكبه عند مخاطبة مدير بنك مثلاً أكون قد خزنته في ذاكرتي على أنه ساع بريد، ما قد يُقيم القيامة ولا أجد من يُقعدها. هذا هو الهدف اللوجستي والعملي، أما بعض الوجوه أسعى جاهدة أن أتذكرها لأنها القوالب التي صُب فيها من أحب ومن أحتاج إلى استحضارهم عندما يغيبون. هذه الوجوه بالذات لا أخاطر بتذكرها فقط عبر ذاكرتي خوفاً من احتمالية الانتقاء والتحريف غير المرغوب به. ولأنه غالباً ما يصعب على عقلي الفصل بين الأشخاص الفعليين المتواجدين خارج مني والشخصيات الروائية التي أحيكها في داخلي، أخافُ على من أحب أن يضيعوا في الزحام. لذلك أحاول باستمرار أن أجد طرقاً أكثر موضوعية لتوثيقهم، فلجأت بداية إلى التصوير.

ولكن الصورة، عندما ارتأت لي الفكرة، كانت تُكلف مبلغاً وقدره ولذلك لم أستطع إلا أن التقط القليل منها إلى أن أصبحت ولحظي السعيد، أرخص مُقتنيات العصر. ولأن اختراق الخصوصية، بتماشِ مع الديموقراطية الحديثة واللامركزية، انتقل من كونه مسؤولية السلطة الرقابية إلى هواية فردية يتمتع المواطنون الأحرار بممارستها على أنفسهم بملء قناعاتهم وكرامتهم، لم أعد حتى مضطرة أن ألاحق من أحب لكي أصورهم، كل ما علي فعله اليوم هو تلقي الصور التي يتخذونها لأنفسهم على مواقع التواصل الاجتماعي.

والجميل في الأمر أنني لستُ مُضطرة أن أختار وجهاً واحداً فقط كما كنت أفعل بالماضي بهدف الترشيد وقلة الموارد، فالوجوه جميعها اليوم مُتاحة وموثقة على بعد زر مني.

وبينما لم تتعدى تعابير الوجه في الماضي المئة تعبير أصبحت اليوم وبفضل النمو التكنولوجي تفوق الألف، أكثرها رواجاً “وجه السمكة” الذي يعتلي وجوه 99,9% من إناث المدينة، يليها “الحاضر الغائب” الذي يتمثل صاحبه بأنه غافل عن التقاط الصورة رغم أن الزاوية تؤكد أنه التقطها بنفسه. إنه عصر التوثيق الذهبي، إنها وفرة لن تتكرر.

ولا يقتصر التنوّع المفاجئ هذا على تمدد وتقوّس الوجه فحسب بل يضمّ كذلك كائنات أخرى تُضفي على الوجه تعابير هجينة تمزج بين مملكتي الحيوانات والنباتات. فيندرج اليوم الوجه الذي تتدلى من نافوخه أطواق ياسمين افتراضية أو آذان كلاب ضمن المقاييس الطبيعية للوجه البشري، والدليل على ذلك أنني لا أستطيع أن أميز إن كانت الصور التي أتصفحها على “الفيسبوك” تُظهر صديقتي عبلة منتحلة شخصية ذبابة، أم أنها ذبابة ذات ملامح شبيهة بعبلة!