مربعاتي الأمنية


حاولتُ أن أجد حلّا جذرياً لعقلي الذي يتغذى على فك الشيفرات. أقول “حلّاً” لأنّ الشيفرات التي يختارها عقلي بالتحديد “مشكلة” إذ أن لا بد لها أن تمس إمّا الكون أوالوجود أوالله، فيبدأ بعتاباته الفارغة ومحاولاته المضنية يحلل ما لا يمكن حلّه. حاولت بغفلة منه أن أرمي بهذه الأسئلة والشكوك حيثما رماها أجدادنا من قبلنا وما زال يرميها معظم البشر الذين يبغون تجنّب عوارض الجنون أو الإكتئاب: تحت سجاد ردهة البيت في فصل الشتاء، وبين طيّات القبعات الصوفية في فصل الصيف. وبالرغم من النجاح الموشك في ذلك، إلّا أنّ الأصوات عادت أقوى من ذي قبل في يوم التعزيل الربيعي اللعين. الآن فقط فهمت لماذا كانت تصر أمي أن تكون أرضية أي بيت نعيش فيه مغطاة بالموكيت. ولكن أصبح الموكيت غالٍ في أيامنا هذه، ولا يمكن لفتاة بائسة مثلي أن تتحمّل تكاليفه.

قد يكون الارتفاع المفاجئ وغير المبرر لأسعار الموكيت جزءاً من مؤامرة تهدف إلى احتواء فئة الشباب الناقدة المُتعجرفة التي لا يُمكن إلهائها ببرنامج “أراب أيدول” أو مُباريات كرة القدم. نعم تحالف سري بين الحكومات وشركات الأدوية يهدف إلى إغراق الفلاسفة التافهين بأزمات وجودية لا مخرج منها، فإما يُقدمون على الإنتحار وفي ذلك منافع واضحة، أو يدخلون في إكتئاب مُزمن يقودهم إلى الإدمان على الأدوية. وهكذا بين مدمني الأقراص ومدمني البرامج التلفزيونية تستفرد الحكومات برفع أسعار الخبز والوقود.

ولأنني أرفض أن أكون ضحية مؤامرة خبيثة تُغيُبني عن أزمات واقعية تؤثر على “حياة المواطن”، ولأنني لست من مُحبذي الحشيش أوالدخان أوالكحول، ولأن تكاليف الموكيت كما سبق وقلت تفوق قدرتي على تحملها، كان لا بد من إيجاد وسيلة أخرى أتخلّص بها من أفكاري التي كادت أن تقتلني.

بعد بحث مُعمق وجدتُ أنّ لعبة “سودوكو” قد توفر حلاً مناسباً لمشكلتي. فلقد أثبتت الدراسات الأخيرة أن حل مربع واحد من “سودوكو” يستهلك نفس عدد الخلايا الدماغية التي يحتاجها العقل لمحاولة الإجابة عن سؤال: “من أنا؟”. هذا يعني أنني إذا حللت ست مربعات يومياً، سأخسر عدداً كافياً من الخلايا يُجنبني ست أسئلة وجودية في اليوم الواحد.

أما العشرة أسئلة المتبقية، فلقد وجدت لها المنفذ المثالي: دفاتر تلوين مُرقمة، يرمز كل رقم فيها إلى لون مُعين. هذا يعني أنني لست بحاجة حتى أن أرهق عقلي باختيار الألوان. هكذا ينتقل العقل من وضع التأهب ومحاولة حل الألغاز، إلى وضعية التنويم المغناطيسي حيث يستفرد بمراقبة الألوان وهي تُعبّئ الأشكال.

كل هذا غريب علي فأنا لطالما كرهت روتيناً كهذا قائماً على عمل ميكانيكي بحت، خال من أي إبداع فكري أولمسة فردية، حتى أني كنت من مشجعي الأطفال للتلوين خارج الخط. ولأن في عصرنا هذا يجب بلورة أي فكرة، مهما كانت، إلى مؤسسة تستدعي أن نقيم حملة دعائية ومجموعة حقوقية من أجلها، أسست مع مجموعة غريبة من الأًصدقاء “الجمعية الأردنية لمجابهة التلوين داخل الخط”. وبما أنني ما زلت أترأس الجمعية، أحرص على إبقاء دفاتري المُرقمة سرّاً لا يعلم به أحد إلّا صديقتي عبلة التي وكلتها مهمة شراء الدفاتر.

إذن بين دفاتر التلوين ودفاتر “سودوكو” المُكدسة فوق مكتبي أنجح كل يوم والحمد لله بالصد لجميع أسئلتي… هل هذا يعني أن المربعات والحدود والأرقام بالفعل تُكسبنا الأمن والأمان؟ ولكن ما منفعة الأمن إذا طغى على الحرية؟ ألا تنبع الحرية من العفوية والعفوية من الصدق والصدق من النقاء؟ ولكن ما فائدة الحرية من دون حضن دافئ يحتوينا؟ ما الذي نسوّره أصلا بحواجزنا هذه، ما الذي نحيطه بالداخل أو نحيطه بالخارج عندما نبني الجدران؟

ما علاقة الجدران بكل هذا؟ المهم أني نجحت بالتخلص من أزمتي الوجودية .

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *